الانتقال الى المشاركة




صورة

جهود العلماء القدامى في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين به


  • Please log in to reply
لا توجد ردود على هذا الموضوع

#1 المساعد التعليمي

المساعد التعليمي

    عضو جديد

  • Members
  • Pip
  • 1 المشاركات

تاريخ المشاركة : 14 March 2018 - 10:04 AM

جهود العلماء القدامى في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها
 
(مادة مرشحة للفوز بمسابقة كاتب الألوكة الثانية)
 
 
منذ أنْ نزلَ القرآن الكريم، واللُّغة العربية قد اكتسبَتْ قدسيَّتَها أوَّلاً، وضمنَتْ حفْظَها ثانيًا؛ إذْ حملَتْ بألفاظها، وضَمَّت بمعانيها كلامَ ربِّ العالَمين الذي نزلَ بِها الرُّوحُ الأمين على قلب سيِّد المرسلين: ? وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ? [الشعراء: 192 - 195]؛ فحَفِظَها الله تعالى بِحِفْظه لكتابه المَجيد الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يدَيْه ولا من خلفه، تَنْزيل من حكيمٍ حميد؛ ? إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ? [الحجر: 9].
 
 
ولَم يكتفِ أثَرُ القرآن الكريم بإِضْفاء القدسيَّة على اللُّغة العربيَّة، وحفظ لسانِها فحَسْب، بل كان مفجِّرًا لعلوم العربية قاطبة، تدور في فلَكِه تِبْيانًا لأحكامه، وضَبطًا لألفاظه، "وقد كان القرآنُ الكريم صاحبَ الفضل في نشأة الدِّراسات اللُّغوية في التراث الإسلامي، فالقرآن نصٌّ لُغوي اقتضَتِ العنايةُ به الخوضَ في دراساتٍ لغويَّة وأدبيَّة، تطوَّرَت بِمُرور الزَّمن إلى ما نَراها عليه الآن"[1].
 
 
دوافع تعلُّم اللغة العربية:
 
ومع دُخول الأمم في الإسلام أفواجًا، ومع انتشار الفُتوحات الإسلاميَّة، زادت الرَّغبة في فَهْم القرآن الكريم وتعاليم الإسلام الحنيف، مِمَّا كان له دَورٌ بارز في إقبال النَّاس على تعلُّم اللغة العربية، حتَّى يقوموا بالشَّعائر والعبادات على الوجه الصحيح الذي تَقْضيه الشَّريعة، يَدْفعهم إلى هذا السَّعيُ إلى إقامة دين الله، ونوال مرضاته.
 
 
وهو ما عبَّر عنه أبو منصورٍ الثَّعالبِيُّ قائلاً: "مَن أحبَّ الله تعالى أحبَّ رسولَه محمَّدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومن أحبَّ الرسول العربِيَّ أحبَّ العرب، ومن أحبَّ العرب أحب العربية التي بها نَزل أفضلُ الكتب على أفضل العرب والعجم، ومن أحبَّ العربية عُنِي بها، وثابرَ عليها، وصرفَ هِمَّته إليها، ومَن هداه الله للإسلام، وشرحَ صدره للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أنَّ محمدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - خيرُ الرُّسل، والإسلامَ خيرُ المِلَل، والعربَ خيرُ الأمم، والعربيةَ خير اللُّغات والألسنة، والإقبالَ على تفهُّمِها من الدِّيانة؛ إذْ هي أداةُ العلم، ومفتاح التفقُّه في الدِّين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد"[2].
 
 
ورغم ذلك؛ فإنه لَم تكن الرَّغبة الدينيَّة هي الحافِزَ الوحيد، أو الدَّافع الفريد لتعلُّم اللغة العربية، وإن كانت سببًا رئيسيًّا، إلاَّ أن الدوافع الدنيويَّة كان لها عظيمُ الأثر أيضًا في الإقبال على اللُّغة العربية تعلُّمًا وتعليمًا، فلمَّا كانت العرب أمَّة فاتحة، ولها السِّيادة والعزَّة على سائر الأمم المغلوبة؛ كانت لُغتُهم العربيَّة ذاتَ شأنٍ وعلوٍّ يَطْمح إليها جُمهورُ النَّاس؛ لِيتَّصِلوا بالخُلَفاء والأمراء، وقد رأَوْا "هؤلاء الخلفاء وعمَّالهم يُجْزِلون العطاء لِمَن يجود شِعرًا أو نَثرًا، ويُقرِّبونَهم إليهم ويُولُّونَهم مناصب في الدَّولة، كل ذلك له أثَر أيَّ أثرٍ في إقبال النَّاس على اللُّغة، حتى إنَّ الرجل ليَدْفع بابنه إلى تعلُّمِها رجاءَ أن يَجنِيَ ثَمرة، أو يُحرِز جاهًا"[3]، وقال ابن شُبْرُمة: "إذا سرَّكَ أن تَعْظُم في عينِ مَن كنتَ بعينه صغيرًا، ويصغر في عينك مَن كان في عينك عظيمًا فتعَلَّم العربيَّة؛ فإنَّها تُجريك على المنطق، وتُدْنِيك من السُّلطان"[4].
 
 
ولقد اعتنَى علماؤنا القدامى منذ اللَّحظات الأولى بِضَرورة المساعد التعليمي في اللُّغة العربيَّة لِغَير النَّاطقين بِها من المُسلمين الجدُد، أو مِن المستعربين الجُدد، وعَدُّوا ذلك من تبليغ الرِّسالة، وأداء الأمانة، وفرائض الدِّين، وهو ما صرَّح به ابن تيميَّة في "اقتضاء الصِّراط المستقيم" حين قال: "فإنَّ نَفْس اللُّغة العربية من الدِّين، ومعرفتها فرضٌ واجب؛ فإنَّ فَهْم الكتاب والسُّنة فَرْض، ولا يُفهَم إلاَّ بِفَهم اللُّغة العربية، وما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب"[5].
 
 
ومِن عناية الصَّحابة بتعليم اللُّغة العربية لغير الناطقين بها ما صرَّح به أبو عثمانَ النهدي: "بأنَّ كِتاب عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - أتاهم وهم بأذربيجان يأمرُهم بأشياء، وذكَر فيه: تعلَّموا العربيَّة"[6].
 
 
كما جاء عن عمر بن زيدٍ: أنَّ عمر بن الخطَّاب - أيضًا - كتب إلى أبي مُوسى - رضي الله عنه -: "أمَّا بعد: فتفَقَّهوا في السُّنة، وتفَقَّهوا في اللُّغة، وأعرِبوا القُرآن؛ فإنَّه عربي"، وفي حديثٍ آخَر عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "تعلَّموا العربيَّة؛ فإنَّها من دينكم، وتعلَّموا الفرائض؛ فإنَّها من دينكم"[7].
 
 
جهود العلماء على المستوى النَّحْوي:
 
وقد انبَرى علماءُ الأُمَّة في تعليم اللُّغة العربيَّة وتيسيرها لغير النَّاطقين بها، ومِن هذه الجهود العظيمة التي أخَذوا بها على عاتقهم ما قام به أبو الأسود الدُّؤلي من وضعٍ للنَّحو العربي؛ حتَّى يَستقيم به لسانُ الأعاجم الرَّاغبين في تعلم اللُّغة العربيَّة وإتقانِها.
 
 
فعَن "ابن أبي سَعْد، قال: حدَّثَنا عليُّ بن محمَّد الهاشِمي قال: سمعتُ أبي يَذْكر، قال: كان بَدْء ما وضعَ أبو الأسود الدؤليُّ النَّحوَ أنه مرَّ به سعدٌ - وكان رجلاً فارسيًّا قَدِم البصرة مع أهله، وهو يقود فرَسَه، فقال: ما لكَ يا سعد؟ ألا تركب؟ فقال: فرسي ضالع، فضَحِك مَن حضرَه، قال أبو الأسود: هؤلاء المَوالي قد رَغِبوا في الإسلام ودخَلوا فيه، وصاروا لنا إخوةً، فلو علَّمْناهم الكلام! فوضع باب الفاعل والمفعول، لَم يَزِدْ عليه، قال أبي: فزاد في ذلك الكتاب رجلٌ من بني ليث أبوابًا، ثم نظر، فإذا في كلام العرب ما لا يَدْخل فيه، فأقصر عنه، فلما كان عيسى بن عمر، قال: أرى أن أضع الكتاب على الأكثر، وأسْمَى الأخرى لُغاتٍ، فهو أوَّل مَن بلَغَ غايتَه في كتاب النَّحو"[8].
 
 
ولَم يَقتصر دورُ العلماء على وَضْع علم النَّحو فحسب، بل سعَوْا إلى تيسير دِراسته وتبسيط تحصيله، فكان لهم في هذا المضمار دورٌ مَشهود وسَبْق معلوم، وعلى رأس هؤلاء العلماء عبدُالقاهر الجرجانيُّ الذي قدَّم مجموعةَ مؤلَّفات في النحو العربيِّ؛ "رغبةً في أن يقدِّم للرَّاغبين في تعلُّم العربيَّة من أبناء اللُّغات الأخرى النَّحو العربي في صورةٍ سهلة، تيسِّر عليهم تعلُّمَ القرآن الكريم وتفهُّم معانيه"[9]؛ وذلك لأنَّه يَعْلم أنَّ تيسير قواعد اللُّغة (النحو) هو أيسر سبيلٍ لتعليمها لأبناء اللُّغات الأخرى.





عدد المتواجدون الآن فى الموضوع : 0

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 الأعضاء المجهولين